صفي الرحمان مباركفوري
272
الرحيق المختوم
الرقاع . أما وقوع الغزوة خلال هذه المدة فلا شك فيه . وهذا الذي كانت تقتضيه ظروف المدينة ، فإن موسم غزوة بدر التي كان قد تواعد بها أبو سفيان حين انصرافه من أحد كان قد اقترب ، وإخلاء المدينة ، مع ترك البدو والأعراب على تمردهم وغطرستهم ، والخروج لمثل هذا اللقاء الرهيب - لم يكن من مصالح سياسة الحروب قطعا ، بل كان لا بد من خضد شوكتهم ، وكف شرهم قبل الخروج لمثل هذه الحرب الكبيرة التي كانوا يتوقعون وقوعها في رحاب بدر . وأما أن تلك الغزوة التي قادها الرسول صلى اللّه عليه وسلم في ربيع أو جمادى الأولى سنة 4 ه هي غزوة الرقاع فلا يصح ، فإن غزوة ذات الرقاع شهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعري رضي اللّه عنهما . وكان إسلام أبي هريرة قبل غزوة خيبر بأيام ، وكذلك أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه وافى النبي صلى اللّه عليه وسلم بخيبر . وإذن فغزوة ذات الرقاع بعد خيبر ، ويدل على تأخرها عن السنة الرابعة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى فيها صلاة الخوف ، وكانت أول شرعية صلاة الخوف في غزوة عسفان ، ولا خلاف أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق ، وكانت غزوة الخندق في أواخر السنة الخامسة . غزوة بدر الثانية ولما خضد المسلمون شوكة الأعراب ، وكفكفوا شرهم ، أخذوا يتجهزون لملاقاة عدوهم الأكبر ، فقد استدار العام ، وحضر الموعد المضروب مع قريش - في غزوة أحد - وحق لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وصحبه أن يخرجوا ؛ ليواجهوا أبا سفيان وقومه ، وأن يديروا رحى الحرب كرة أخرى ، حتى يستقر الأمر لأهدى الفريقين وأجدرهما بالبقاء « 1 » . ففي شعبان سنة 4 ه يناير سنة 626 م ، خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة ، وكانت الخيل عشرة أفراس ، وحمل لواءه علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة عبد اللّه بن رواحة وانتهى إلى بدر ، فأقام بها ينتظر المشركين . وأما أبو سفيان ، فخرج في ألفين من مشركي مكة ، ومعهم خمسون فرسا ، حتى انتهى إلى مر الظهران على بعد مرحلة من مكة فنزل بمجنة - ما في تلك الناحية . خرج أبو سفيان ، من مكة متثاقلا ، يفكر في عقبى القتال مع المسلمين ، وقد أخذه الرعب ، واستولت على مشاعره الهيبة ، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه ، فاحتال للرجوع ،
--> ( 1 ) كلمة محمد الغزالي في فقه السيرة 315 .